تأملات

الله يتجلّى في السكون والصمت. ما هي أهميّة الصمت في زمن المجيء؟

زمن المجيء هو موسم من النعم الخاصّة جدّاً! إنه زمن انتظار رجاء وفرح.
زمن انتظار ميلاد ربّنا وفادينا يسوع المسيح. زمن رجاء لأنّ يسوع أتى ليخلّصنا. وزمن فرح، لأن ولادة يسوع وحياته وقيامته هو وعد بالحياة الأبدية لأولئك الذين يطيعون وصاياه ويحبّونه.

sfondi_natale_2010_hd_16-9_widescreen_45_20101118_1009090108

ساد السلام – Silent Night
ليلة عيد الميلاد هي الأنسب لترتيلة ساد السلام وسط الظلام…. في عمق أعماق تلك الليلة المميّزة من بين الليالي، وُلد يسوع في الصمت. كم هو مهم هذا الصمت لأولئك الذين يبحثون حقّاً عن الله. النبي إيليا اختبر حضور الله على الجبل: لم يجد الله في الزلزال: ولم يعثر عليه بدويّ الرعد، ولا في ومضات البرق. بل اكتشف حضور الله في صمت وهمس النسيم اللطيف!
في خضم عالم مغمور بالضوضاء والضجيج، هنالك حاجة ماسة الى الصمت. بالفعل، هناك الكثير من الثمار الإيجابية التي تتدفّق من الصمت. سنذكر القليل منها لكي نشجّعكم على البحث عن الصمت مرّات عديدة خلال اليوم.

boy-praying

1- صفاء الفكر
لكي نحصل على صفاء كبير في منهج تفكيرنا، هناك جاجة ملحّة الى الصمت. كوننا مهاجمون بوابل متواصل من الضجيج، يقدّم لنا الصمت فكر واضح وشفّاف وأمين ويجعله يزهر ويعطي ثمراً. الكتابات اللاهوتية السامية للقدّيس توما الأكويني وُلدت في الصمت. الكتابات الأدبية المتميّزة لشكسبير وُلدت في الصمت. عمق واختراق البصيرة لنظرية النسبية اكتشفها أينشتاين في هالة من الصمت. المتصوّفون، النسّاك والقديسون اختبروا الله وقابلوه في الصمت. لذا ليتنا جميعاً نتمتّع في لحظات الصمت في حياتنا اليومية.

candle-5

2- اكتشاف التجارب
يجري في حياتنا باستمرار محاربتنا بالأفكار السيّئة. مصدر تلك التجارب هو العدو – الشيطان. يدعوه القدّيس أغناطيوس “عدو خلاصنا” والقديس توما الأكويني يلقّبه ب”المجرّب”. ويشبّهه القديس بطرس الرسول ب”الأسد الزائر الذي يجول ملتمساً من يفترسه”. إن لم يكن لدينا لحظات صمت، نطاق ومساحة صمت، فسيكون من المستحيل أن نقدر على تمييز الذيل القبيح لإبليس الذي يلتمس دوماً إيقاعنا في إغراءاته، والتلاعب بنا، وإقناعنا بالسقوط في الخطيئة. التفكير الصامت يمنحنا وعياً حادّاً لإستراتيجيّات وتلاعبات عدو خلاصنا.
في البريّة كان يسوع في صمت حين صلّى وصام. هاجمه الشيطان وجرّبه، لكن يسوع قاومه معتمداً على قوّة وفعالية كلمة الله. “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله”. الكثير من الحروب الروحيّة يجب أن تقاوَم من خلال الصلاة والصمت.

dove-1-3

3- الإلهام السماوي
لا يمكننا التعرّف فقط على أساليب العدو في عمق الصمت والقلب المتنبّه، بل الأهم من ذلك، يمكننا التعرّف على إشارات سماوية – اي الإلهامات التي تأتي من الروح القدس. في الواقع، الله حاضر دائماً. كينونته كلّها تخترق وتتخلّل الكون بأسره. في الحقيقة، الله ليس غائباً عنا أبداً، لكنّنا نحن من نغيب عنه بسهولة. الملحدون الذين ينفون بشكل قاطع وجود الله، لا يستطيعون أن يغيّروا أو يبدّلوا في أدنى درجة، حقيقة وجود الله. يُعبّر القدّيس بولس عن كلّية وجود الله باقتباسه قول شاعر يوناني: “الذي به نحيا ونتحرّك ونوجد”.
وقال ايضاً “إنّ الروح يصلّي فيكم بأنّاتٍ لا توصف”. ويرغب الروح في التحدّث الى قلوبنا لكنّه يحترم إرادتنا الى أقصى الحدود! إن كنّا مشغولين جدّاً ومنهمكين بشكل مفرط في الضوضاء، والنشاطات المحمومة، وبالحركة الدائمة، والقعقعة الثابتة، عندها لا يوجد متّسع ومكان للروح القدس لكي يتكلّم في قلوبنا من خلال إيحاءاته السماوية. لا ننسى: ميلاد الكنيسة – العنصرة – سبقتها صلوات حارّة، صوم، وحضور سيّدتنا العذراء – عروس الروح القدس، والصمت. لذلك، مع الصمت والقلب المتفكّر يمكننا التعرّف على هذه العلامات السماوية والمحوَّلة الينا من الله ذاته – الروح القدس!

feature_image_2

4- التعرّف على إرادة الله
اكتشاف مشيئة الله في حياتنا وسعينا لتنفيذها هو في الحقيقة المفتاح للقداسة وسلام النفس والقلب والروح. إذا كنّا نركض ميلاً في الدقيقة، إن كنّا نتحرّك مثل الدجاجة المقطوع رأسها، إن كنّا في حالة مستمرّة من الإثارة، إذا كنّا قد سقطنا في حالة دائمة من النشاط واضعين أعمالنا فوق الله نفسه، سيكون من الصعب إن لم يكن من المستحيل، أن نميّز إرادة الله في حياتنا. تمييز الدعوة او التعرّف على حالة النفس، لربما هي من أهم القرارات في حياة الإنسان بأسرها. الزواج، العزوبية، الكهنوت، او الحياة الدينية – الإختيار الذي يقوم به الشخص في مجال دعوته هو أمر بالغ الأهميّة. خيار خاطئ بسبب ضجيج مفرط، التفكير القليل او انعدام التفكير، نصيحة سيّئة من أصدقاء دنيويّين بإمكان أي من هذه الإسباب أن تكون سبب كارثة!
لهذا السبب، القدّيس أغناطيوس دي ليولا، الذي أورث العالم الكثير من الرياضات الروحيّة، يقدّم سلسلة من الأفكار والتأمّلات، لمساعدة التردّدين لكي يستشفّوا ما هي حالتهم ودعوتهم في الحياة. هذا المنهاج الأغناطي يُقام في الصمت والتأمّل مع مرشد روحي متدرّب وخبير بأسلوب التأمّل بصمت أثبتت أنها لا تُقدّر بثمن عندما يحتاج المرء الى التعرّف على دعوته واتّباع مشيئة الله في حياته، منهاج يعطي الله كرامة ومجداً، ويحثّ المرء على السعي نحو تحويل الشخصيّة والقداسة. هذا من المستحيل أن يتم دون الصمت!

st_joseph

5- مثال القديس يوسف
العظيم بين القديسين يوسف هو الأب الأرضي ليسوع المسيح، الإبن الإلهي لله الآب. القدّيس يوسف هو ايضاً خطيب مريم العذراء سلطانة الملائكة والقدّيسين. اللاهوت يعطي القدّيس لقب الشفيع الاول والاكبر بين القديسين ليبرز قوّة شفاعته وسرعة استجابة الله لطلبه. لذلك تحتفظ له الكنيسة بالتكريم الأوّل بين القدّيسين (ترتفع وتنفرد مريم العذراء بشفاعتها عن شفاعة القدّيس يوسف وباقي القديسين لكونها أمّ الله وشريكة المسيح بالفداء). ملاحظة مثيرة لإهتمام بخصوص القدّيس يوسف هي صمته العميق. لم يسجّل لنا الإنجيل المقدّس اي كلمة قالها. صمت القدّيس يوسف يتحدّث ببلاغة. كان صامتاً كمثال لنا، ليتسنى لنا أن نتعلّم في الصمت الإستماع لكلمة الله ووضعها حيّز التنفيذ.
باختصار، ليتنا نقدّر قيمة الصمت! إذا أدركنا قيمته من خلال سلوكنا في الصلاة، فسيتحدّث الله الينا ببلاغة عظمى في أعماق قلوبنا.

اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.