أخبار مديوغورييه

لماذا يتمتع الكهنة الفرنسيسكان بشعبية كبيرة في مديوغورييه وما علاقة ذلك باستشهاد 34 فرنسيسكاني؟

في كتابها قلبي سوف ينتصر تسرد ميريانا كيف كانت الديانة المسيحية هدفاً لملاحقة النظام الشيوعي، وكان المسيحيون يجدون العزاء عند الرهبان الفرنسيسكان الذين شاركوهم العناء والاضطهاد وحتى الاستشهاد.

في  الفصل الرابع من كتابها قلبي سوف ينتصر كتبت ميريانا كيف استشهد الكهنة الفرنسيسكان على يد الشيوعية وبالرغم من ذلك كانوا هم الرهبنة الوحيدة التي لم تتخلّى عن الشعب في زمن الحرب والنظام الشيوعي بل وشاركوهم العناء والاضطهاد وحتى الاستشهاد. فللرهبان الفرنسيسكان مكانة خاصة في قلب الشعب الكرواتي ويكسبون دعمهم ومحبتهم بصورة مستمرة، ويُفضلّونهم عن غيرهم. ومع كل المشاكل التي بدأت مع بدء ظهورات العذراء في مديوغورييه، كانت الرعية متّحدة مع كهنتها الفرنسيسكان بالرغم من الخلاف الذي نشأ بينهم وبين أسقف موستار.

ميريانا:
يطل جبل الصليب الإسمنتي على بلدة مديوغورييه والقرى المحيطة بها كدليل متواصل على إيمان الشعب القوي. في عام 1933، قرّر كاهن الرعية برناردين سموليان مع سكان المنطقة، أن يبنوا صليباً إحياءاً لذكرى مرور 1900 سنة على صلب الرب يسوع. فتبدّل اسم الجبل وأصبح يدعى جبل كريزيفاك اي جبل الصليب. عشر سنوات بعد دلك، استشهد الأب سموليان على يد الشيوعيين مع كهنة فرنسيسكان آخرين.

تقع بلدة سيروكي بريج بالقرب من مديوغورييه، وفيها دير كبير وكنيسة على اسم سيدة الانتقال. الكهنة والرهبان الذين يعيشون فيه هم من الرهبنة الفرنسيسكانية التي تدير الرعية منذ مئات السنين. بالرغم من فترات الاضطهاد المتتالية لم يترك الفرنسيسكان الدير ولم يتخلّوا ابداً عن رعاياهم المحليين، ولا يزال بالإمكان رؤية الرهبان بأثوابهم البنيّة التقليدية في جميع انحاء المنطقة. في الحقيقة، الفرنسيسكان هم الذين يديرون أمور الرعية في مديوغورييه.

لا يزال المحليون يتذكّرون 34 كاهناً فرنسيسكانياً الذين عاشوا في دير سيروكي بريج عام 1945 بمودّة وإعجاب بالغيين.

في أيام الفوضى التي تلت الحرب العالمية الثانية، كان الشيوعيون يتوقون الى السيطرة التامة على المنطقة بغاية نشر أيدولوجيّاتهم الإلحادية في كل يوغوسلافيا. كانت الديانة بالنسبة لهم أكثر من مجرّد إزعاج رئيسي. فالإيمان القوي لدى الشعب سبّب عثرة أمام مخطّطهم.

في 7 شباط 1945، وصل فريق من الجيش الشيوعي الى سيروكي بريج ولديهم رغبة وخطة جهنميّة بمحو مصدر إيمان الشعب البسيط. فلكي تزدهر الشيوعية، عليهم إسكات الكهنة. كما سبق وقال ستالين: الموت هو الحل لجميع المشاكل. إقضِ على الإنسان – تقضي على المشكلة.

أحاط الجنود بالدير الفرنسيسكاني، وبدأ قائدهم يصيح بالكهنة والرهبان. «الله غير موجود. لا يوجد بابا! لا توجد كنيسة!» ثم نظر بحقد في أعين الكهنة الذين جعلهم يصطفون أمامه وقال: «وليس هناك حاجة الى كهنة! عليكم الآن نزع أثوابكم الرهبانية والخروج الى العالم والعمل مثل أي مواطن آخر. إنزعوا أثوابكم حالاً!»

رافضين تنفيذ الأمر، بقي الكهنة واقفون برزانة. قام أحد الجنود بنزع الصليب عن أحد جدران الدير، ورمى به عند أقدام الكهنة: «ليختار كل واحد منكم، الحياة أو الموت».

واحداً تلو الآخر قام الكهنة بالركوع عند الصليب وأخذه عن الأرض معانقاً إياه. فكان الجنود يطلقون النار عليهم واحداً تلو الآخر. ثم ألقوا بأجساد إثني عشر منهم في مغارة صغيرة في أراضي الدير. بقيت أجساد الكهنة الشهداء في المغارة عشرات السنين. لكنهم اليوم مدفونين في أماكن مكرّمة داخل الكنيسة.

وفقاً لتفاصيل أخرى يروونها الأجداد في سيروكي بريج، رفض الجندي الأول إطلاق النار على الكهنة. هو أيضاً أطلق عليه النار. الجندي الثاني لقي نفس المصير، فأعطى القائد الأمر لجندي ثالث. هذا الرجل أسرّ لاحقاً الى بعض الناس عن الذي حصل في ذلك اليوم. لم يرَ مفرّاً من إطاعة الأمر لكن عندما شاهد الرهبان ساجدون ويصلّون في سلام وهدوء، لم يستطع التفكير بوضوح، وإذ كان خائفاً من أن يُقتَل كصديقيه اللذان لم ينصاعا الى أمر القائد، قال في نفسه أن الرهبان سيُقتلون في كل الأحوال. وإن قام بتنفيذ الأمر، فعلى الأقلّ سيبقى هناك شخصاً واحداً على قيد الحياة. وأطلق النار وقتل الرهبان.

بقي قراره يعذّبه عدة عقود بعد ذلك: «إنها صورة مروعة مطبوعة الى الأبد أمام عينيّ. في البدء حاولت جاهداً أن أنساها، لكن كل جهودي ذهبت عبثاً. منذ ذلك الحين، لا أقدر أن أنام. كل ليلة هي جحيم لا يمكنني الهروب منه».

إجمالاً، قتل الشيوعيون 34 كاهناً فرنسيسكانياً في سيروكي بريج، وأكثر من 500 كاهن قُتلوا في أنحاء يوغوسلافيا في ذلك الوقت. موتهم، بالرغم من ذلك، لم يكن عبثاً. مذبحة سيروكي بريج جاءت بتأثير ونتائج عكسية عمّا رغب به الشيوعيون – لقد قوّى إيمان المواطنين المحليين وأكّد شكوكهم بأن النظام الجديد يُشكّل تهديداً حقيقياً لكل ما يومنون به.

في هذه البيئة العنيفة ترعرعت. قالت لي أمّي يوماً: «إذا مُتِّ لله، فستحيين للأبد. لكن إن قلتِ لا لله، فستموتين الى الأبد». في ذلك الوقت، أربكني تصريحها هذا إذ لم أفهم ماذا كانت تعني. لكن عندما كبرت، أدركت أخيراً ما الذي حاولت أن تقول – يجب ألّا أسمح لشيء أن يأخذ الأولوية مكان الإيمان، وأن ليس هناك شيئاً أهمّ من ربح الحياة الأبدية مع الله.

هذا جعلني أفكر – إذا واجهت يوماً اللامعقول، هل سأثبت في إيماني؟ لم اتصوّر أبداً أنني سأضطر أن أجيب يوماً على هذا التساؤل، لكن حين بدأت الظهورات، أصبحت هدفاً لنفس النظام الذي اغتال عمّي، جدّي، وال 34 فرنسيسكانياً في سيروكي بريج.

اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.