مختارات عالمية

ماذا جرى بين القديس يوسف ومريم العذراء بعد أن علم بحقيقة حبلها الإلهي بحسب رؤيا ماريا فالتورتا

كيف جرت المصارحة بين يوسف ومريم عندما علم القديس بأن العذراء هي المختارة لتكون أمّ الله.

يخبرنا الإنجيل أن القديس يوسف عندما علم بحبل مريم حزن جداً – ما يعني أن شكّ بأمرها – وقرّر أن يطلّقها في السرّ. لكن بعد أن كشف له الملاك في الحلم حقيقة الحبل الإلهي، تراجع عن قراره وأخذ مريم الى بيته. لكن هل أعلمَها بمعرفته أنها أم المسيح المنتظر؟ هل عاتبها بإخفائها الحقيقة عنه؟ وكيف تصرّفت مريم عندما صارحها خطيبها العفيف؟

ماريا فالتورتا، شاهدت اللقاء بين يوسف ومريم وهذا ما جرى بينهما:

بعد ثلاثة وخمسين يوماً، تعود الأُمّ للظهور في هذه الرؤيا التي طَلَبَت منّي أن أدوّنها في هذا الكتاب. وعاد الفرح ليُولَد فيّ من جديد، لأنّ رؤية مريم تعني امتلاك الفرح.

إذاً فأنا أرى حديقة الناصرة الصغيرة. مريم تغزل في ظلّ شجرة تفّاح وارفة ومحمّلة زيادة بالثمار التي بدَأَت بالاحمرار حتّى لتحسبها خدود أطفال مدوّرة وورديّة.

ولكنّ لون مريم لم يكن كتلك الألوان الجميلة. فلون خدّيها الذي كان في الخليل قد اختفى. ووجهها شاحب مثل العاج، والشفتان فقط ترسمان عليه قوساً من المرجان الشاحب. وتحت جفنيها المنخفضين ظِلّان مُظلِمان، وحافّة عينيها منتفخة كما بعد بكاء. لستُ أرى عينيها لأنّ رأسها منحن وكلّ انتباهها مُنصَبّ على الشغل وأكثر منه على أفكار حزينة، ذلك أنّني أسمَعها تتنهّد كمن يعاني ويتألّم في قلبه. كان ثوبها ذا لون أبيض بأكمله، فقد كان من الكتّان الأبيض لأنّ الطقس حارّ جدّاً رغم أنّ رطوبة الزهور النقيّة توحي بأنّه الصباح. رأسها مكشوف والشمس التي تداعب أوراق شجر التفّاح التي تحرّكها نسمات خفيفة جدّاً، والتي تتسلّل محدثة خيوط نور على الأرض البنيّة المخصّصة للزهور، وترسم دوائر مضيئة على الرأس الأشقر وعلى الشعر الذي يبعث انعكاسات ذهب خالص.

لم يَصدُر من البيت أيّ صوت، وكذلك من الجوار. لم يُسمَع سوى صوت خرير ساقية تنساب في فسقيّة في عمق الحديقة.

تنتَفِض مريم لدى سماعها طرقاً قويّاً على باب البيت الخارجيّ. تضع مغزلها ومردنها جانباً وتنهض لتذهب وتفتح. ورغم كون ثوبها فضفاضاً، إلّا أنّه لم يُخْفِ استدارة الحوض تماماً.

تجد نفسها وجهاً لوجه أمام يوسف. تشحب حتّى الشفتين. وفي هذه الأثناء يبدو وجهها كخبز الذبيحة بسبب هروب الدم منه. تنظر مريم بعين تستفسر بحزن، بينما كانت نظرة يوسف مستغفِرة. يلوذان بالصمت وهما ينظران إلى بعضهما. ثمّ تفتح مريم فمها: «أفي هذه الساعة يا يوسف؟ هل أنت بحاجة إلى شيء ما؟ ماذا تريد قوله لي؟ تعال.»

يدخل يوسف ويُغلِق الباب. لم يتكلّم بعد.

«تكلّم يا يوسف، ماذا تريد؟»

«عفوكِ». وينحني كأنّه يريد أن يجثو. ولكن مريم التي ما تزال متحفّظة من لمسه، تُمسِك به بعزم من كتفيه وتمنعه من ذلك.

وأخذ لون وجه مريم يتبدّل، فتارّة هو أحمر وأخرى شاحب كما كان قبلاً: «عفوي؟ ليس هناك شيء أغفره لكَ يا يوسف، ليس لديّ سوى الشكر على كلّ ما فعلته هنا أثناء غيابي، وكذلك على الحبّ الذي تكنّه لي.»

ينظر إليها يوسف وتترقرق دمعتان كبيرتان في حجرتي عينيه العميقتين، وتبقيان كما على حافة آنية، ثمّ تَنحَدِران على الخدّين واللحية.

«سامحيني يا مريم، فلقد تزعزَعَت ثقتي بكِ، أمّا الآن فقد عرفتُ ولستُ أهلاً لأن يكون لي مثل هذا الكنز. لقد قَصَّرتُ في محبتي لكِ. لقد اتّهمتكِ في قلبي. اتّهمتكِ دون عدل لأنّني لم أسألك لتقولي لي الحقيقة. لقد أخطأتُ بحسب شريعة الله، وذلك بعدم حبي لكِ كحبّي لنفسي…»

«آه! لا! أنتَ لم تُقَصِّر أبداً!»

«بلى يا مريم. لو كنتُ اتُّهِمتُ بمثل هذا الجرم لكنتُ دافعتُ عن نفسي. وأنتِ… لم أسمح لكِ بالدفاع عن نفسكِ لأنّني كنتُ على وشك أن أتّخذ قراراً دون سؤالكِ. لقد أخطأتُ تجاهكِ بأن أسأتُ إليكِ بالريبة. لا شيء سوى الشكّ. وهذه إساءة يا مريم. فمن يشكّ بكِ ينتقص من قدركِ. وأنا لم أعرفكِ كما كان ينبغي لي أن أفعل. ولكن لِما قد عانيتُ من الألم… ثلاثة أيام من الندم، سامحيني يا مريم.»

«ما من شيء لديّ أسامحكَ عليه. بل بالأحرى أنا التي أطلب منكَ أن تسامحني على ما سبّبتُه لكَ من الألم.»

«آه! نعم، يا له من ألم! يا لهذا الألم! انظري. لقد قيل لي هذا الصباح بأنّ شيئاً بدأ يظهر على صدغيّ، وتجاعيد على وجهي. لقد كبرتُ في أيّام أكثر من عشر سنوات. لماذا كنتِ يا مريم متواضعة لدرجة أنّكِ أخفيتِ مجدكِ عنّي، أنا عروسكِ، ورضيتِ بأن أشكّ فيكِ؟»

لم يكن يوسف جاثياً ولكنّه منحن لدرجة أنّه يبدو كذلك، وتضع مريم يدها الصغيرة على رأسه وهي تبتسم. تبدو وكأنّها تحلّه من خطاياه. تقول: «لو لم يكن تواضعي كاملاً لما استحققتُ أن أحبَل بمن ننتظر، من يأتي ليمحو خطيئة الكبرياء التي دمّرت الإنسان. ثمّ أنا أطعتُ… فالله هو من طَلَبَ منّي هذه الطاعة التي كلّفتني كثيراً… من أجلكَ، من أجل الألم الذي اختَبَرتَه. إنّما لم يكن لديّ خيار سوى الطاعة. أنا خادمة الله، والخدّام لا يناقشون الأوامر التي يتلقّونها. بل هم ينفّذونها، يا يوسف، ولو أبكتهم دماً.» تبكي مريم وهي تقول ذلك. تبكي بهدوء لدرجة أنّ يوسف المنحني لم يلحظ ذلك إلاّ حينما سَقَطَت دمعة على الأرض.

عندها يرفع رأسه -ولأوّل مرّة أراه يفعل ذلك- ويشدّ على يدي مريم الصغيرتين بين يديه القويّتين ويقبّل أطراف أناملها الناعمة التي تبرز مثل براعم الدراق من بين قبضتي يدي يوسف.

«الآن يجب أن نتدبّر الأمر، لأنّ…» ولم يضف يوسف شيئاً ولكنّه ينظر إلى جسم مريم التي تجلس حالاً لكي لا تبقى عُرضة للنظرات التي تتركّز عليها. «يجب أن نسرع. سآتي إلى هنا… سنُتمّ الزواج… الأسبوع القادم، أموافِقة أنتِ؟»

«كلّ ما تفعله يا يوسف جيّد. أنتَ رأس البيت وأنا خادمتكَ.»

«لا، بل أنا خادمكِ. أنا الخادم المغبوط لإلهي الذي ينمو في أحشائكِ. وأنتِ الـمُبارَكَة بين كلّ نساء إسرائيل. هذا المساء سأخبر الأهل. وفيما بعد… حينما أصبح هنا، سنعمل على تهيئة كلّ شيء لمجيئه… آه! كيف سأستطيع استقبال إلهي في بيتي؟ الله بين يديّ؟ سأموت من الفرح!… لن أجرؤ على لمسه أبداً!..»

«سوف تستطيع كما سأستطيع أنا ذلك، بنعمة الله.»

«أمّا أنتِ فإنّكِ أنتِ. أمّا أنا فَرَجُل مسكين، ليس في أبناء الله من هو مسكين أكثر منّي!»

«يسوع يأتي من أجلنا نحن المساكين ليجعلنا أغنياء بالله. سيأتي إلينا نحن الإثنين لأنّنا مساكين أكثر من كلّ الناس، ونحن نعلم ذلك. افرح يا يوسف فذريّة داود حصَلَت على الملك الذي تنتظره، وقد أصبَح بيتنا أكثر فخامة من قصر سليمان الملكيّ، فهنا ستكون السماء، وسنشارك الله سرّ السلام الذي سَيُعَلِّمه للعالم فيما بعد. سينمو بيننا وستكون أذرعنا مهداً للفادي الذي يكبر. ومن عَرَقنا وتعبنا سنوفّر له الخبز… آه! يوسف! سوف نسمع صوت الله ينادينا “بابا”، “ماما”! آه!…» وتبكي مريم فرحاً بدموع سعيدة للغاية!

يجثو يوسف الآن على ركبتيه ويبكي خافياً رأسه في ثوب مريم الفضفاض الذي ينسَدِل مُشَكِّلاً ثنيات على بلاط الغرفة الصغيرة البسيط.

وهنا تنتهي الرؤيا.

 

اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.